الاثنين، 30 مارس 2026

الجزائر مركز ثقل جيو - سياسي في المتوسط

 

تبون وميلونى
تبون وميلونى

الجزائر مركز ثقل جيو - سياسي في المتوسط

تبرز الزيارات المتتالية لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إلى جانب التحركات الدبلوماسية لوزير الخارجية الإسباني وبعض المسؤولين الأوروبيين، أن الجزائر تحولت إلى مركز ثقل جيوسياسي في حوض المتوسط، متجاوزة دورها التقليدي كمورد للطاقة نحو فاعل استراتيجي متعدد الأبعاد، كرئة طاقوية نابضة لأوروبا وركيزة أساسية في استقرار الحوض المتوسطي.

في ظل التوترات الدولية المتصاعدة، سواء المرتبطة بالحرب في أوكرانيا أو اضطرابات الشرق الأوسط، برزت الجزائر كخيار موثوق يضمن استقرار الإمدادات الطاقوية لأوروبا، خاصة عبر أنبوبي ترانسميد وميدغاز، ومستقبلا عبر أنبوب الغاز العابر للصحراء، ما دفع إيطاليا وإسبانيا إلى تكثيف التنسيق لتأمين شراكات طويلة المدى كبوابة للطاقة نحو أوروبا.

في سياق متصل، تعززت مكانة الجزائر بدورها كبوابة من وإلى إفريقيا ضمن الرؤية الأوروبية الجديدة، حيث أصبحت شريكا محوريا في تنفيذ مشاريع اقتصادية ولوجستية كبرى، مستفيدة من موثوقيتها السياسية المعبر عنها من أعلى السلطات وموقعها الجغرافي الاستراتيجي واحتياطياتها الطاقوية، فضلا عن خبرتها وقدراتها التقنية وبناها التحتية المتطورة في مجال الطاقة

وفي هذا الإطار، تعكس زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية، وفق ما يتردد في مختلف وسائل الإعلام الإيطالية، إدراكا أوروبيا متزايدا بالأهمية الاستراتيجية للجزائر، فالزيارة جاءت في توقيت دقيق يتسم بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وما تحمله الحرب المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من انعكاسات مباشرة على أسواق النفط والغاز

لى الصعيد الطاقوي، لم تعد الجزائر مجرد مصدر تقليدي للغاز، بل تحولت إلى ضامن حقيقي للأمن القومي الطاقوي الأوروبي. فمع تزايد المخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية، تبحث الدول الأوروبية عن بدائل مستقرة وقريبة جغرافيا، وهو ما توفره الجزائر عبر بنيتها التحتية المتطورة والتزاماتها السياسية الثابتة.

تشكل خطوط الأنابيب، على غرار ترانسميد نحو إيطاليا وميدغاز نحو إسبانيا، ركيزة أساسية في هذه المعادلة، حيث تتيح إمدادات مباشرة بعيدا عن مخاطر النقل البحري الذي بات عرضة للتقلبات الأمنية، خاصة مع تهديدات الملاحة في بعض الممرات الحيوية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى

كما تكتسب الجزائر أهمية مضاعفة باعتبارها موردا آمنا وقريبا في محيط دولي غير مستقر، وتتعزز هذه المكانة مع توجه الجزائر نحو الاستثمار في الطاقات النظيفة، خاصة الهيدروجين الأخضر، حيث تراهن أوروبا على شراكات طويلة المدى لضمان انتقال طاقوي سلس. ويعد مشروع الممر الجنوبي أحد أبرز محاور التعاون المستقبلي، ما يجعل من الجزائر شريكا محوريا حتى في مرحلة ما بعد الغاز.

كما أن التوترات التي ألقت بظلالها على سوق النفط والغاز زادت من الهواجس الأوروبية، ما يدفع هذا الفضاء المجاور إلى البحث عن شركاء مستقرين خارج بؤر التوتر، وهنا تبرز الجزائر كخيار استراتيجي يضمن استمرارية التزويد ويحد من تداعيات الأزمات.

وليس هذا فقط، فعلى الصعيد الأمني تواصل الجزائر لعب دور محوري في استقرار المنطقة، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وتنظيم تدفقات الهجرة غير الشرعية القادمة من دول الساحل، وهو دور يجعلها شريكا لا غنى عنه بالنسبة لأوروبا التي تواجه ضغوطا متزايدة على حدودها الجنوبية

بالتوازي مع زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية، برزت على منصات التواصل الاجتماعي موجة من الحملات الإعلامية والإلكترونية التي سعت إلى التشكيك في قدرات الجزائر الطاقوية ومصداقية شراكاتها، في إطار ما يمكن وصفه بـ"معركة سرديات" موازية للتحركات الدبلوماسية والاقتصادية المتبادلة مع الفضاء الأوروبي، حيث تسعى بعض الأطراف المعادية المعروفة إلى التأثير على صورة الجزائر كشريك طاقوي موثوق، عبر استغلال ملفات حساسة وتضخيمها في توقيت دقيق.

ركزت الحملات الإلكترونية، حسبما رصده مراقبون، على التشكيك في قدرة الجزائر على لعب دور المورد البديل والموثوق لأوروبا، من خلال الادعاء بأن بنيتها التحتية الطاقوية بلغت أقصى طاقتها وغير قادرة على تلبية الطلب الإضافي وكذا محاولة إفراغ الزيارة الإيطالية من طابعها الاستراتيجي المتوازن.

كما استغل ملف الغاز الصخري، حيث سلطت حسابات مجهولة الضوء على أرشيف نقاشات ومخاوف داخلية سابقة تتعلق بالمخاطر البيئية المحتملة، في محاولة لإثارة الرأي العام الداخلي والتشكيك في جدوى الاستثمارات الجديدة، خاصة تلك المرتبطة بشركات دولية كبرى مهتمة بالاستكشاف في ما يعرف بالاوفشور، متجاهلة السياق الاقتصادي والاستراتيجي الذي يحكم خيارات الطاقة في المرحلة الحالية والمقبلة.

كذلك روجت بعض الحسابات لمزاعم تجاهل بعض الاحتياجات العربية و"الابتزاز الطاقوي" عبر الادعاء بأن الجزائر تفرض زيادات غير مبررة في الأسعار، متجاهلة الآليات التعاقدية الدولية. كما لم تخل هذه الحملات من أساليب الإثارة الرقمية، بما فيها العناوين المضللة التي تهدف إلى تقليل أهمية الحدث الدبلوماسي وتشويه صورته

SHARE

Author: verified_user

0 Comments: