![]() |
| تبون والبابا |
زيارة "السلام عليكم" إلى أرض الأحرار والثوار
يحط البابا ليون الرابع عشر رحاله، اليوم، على أرض الجزائر، قبلة الثوار والأحرار، في أول زيارة بابوية للبلاد، ولدول كل المنطقة. وتحمل زيارة بابا الفاتيكان، من الأبعاد والتعقيدات والمآلات ما يجعلها، علاوة على الرسائل الدينية التي سيوجهها البابا لكل العالم، في هذا الظرف الجيواستراتيجي الخاص، رسائل سياسية وثقافية وروحية بامتياز، ستسجّل، على الأقل، جغرافيا، من أرض الجزائر، وهي التي تعمل عبر قنواتها السياسية والدبلوماسية، لتأكيد مكانتها وموقعها إقليميا ودوليا.
لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن السياق الدولي المضطرب؛ ففي وقت يشهد فيه العالم حربا في أوكرانيا وأخرى على إيران، مع ما يصاحب ذلك من تداعيات على أمن الطاقة العالمي، تبرز الجزائر كلاعب استراتيجي لا يمكن تجاوزه، وظهر ذلك جليا من خلال الزيارات المكوكية لعديد مسؤولي دول أوروبية، حتى إقليمية، ومع الأزمة التي ولدت عن إغلاق مضيق هرمز وتراجع الصادرات النفطية الخليجية، تحول الغاز الجزائري من خيار تنويع إلى ضرورة أوروبية ملحة
هنا تكمن "عبقرية" التوقيت؛ فزيارة البابا، الذي يمثل رمزا أخلاقيا عالميا، تأتي لتعزز صورة الجزائر كـ "شريك موثوق" و"دولة مستقرة" في بحر إقليمي مضطرب، إنها "بطاقة دخول" إلى النادي الأوروبي، ورسالة ضمنية للعواصم الغربية بأن التعامل مع الجزائر لا يقتصر على عقود الغاز، بل يمتد إلى القيم المشتركة والاحترام المتبادل
الزيارة تحمل بعدا آخر أكثر عمقا، يتعلق بالهوية والذاكرة الجزائرية؛ فاختيار البابا لمدينة عنابة (هيبون القديمة) ليس اعتباطيا، بل هو حج إلى "روح القديس أوغسطين"، الفيلسوف واللاهوتي الجزائري الذي يعد أحد آباء الكنيسة الغربية
هذه المحطة تمنح الجزائر فرصة للتأكيد عن تاريخها القديم جدا، وردا "قويا" على من قال بأن الجزائر لم تكن موجودة قبل العام 1830، تاريخ استعمار أرضها من الفرنسيس، والتأكيد أيضا على أن هويتها "متعددة ومركبة"، وأن هذه الأرض كانت مهدا لحضارات كبرى قبل أن تصبح أرض الإسلام والعروبة، ففي زمن تسعى فيه دول و"دويلات" أن تضع لها موطأ قدم مع "كبار القوم"، تأتي زيارة البابا لتذكر العالم، وللجزائريين أنفسهم، بأن هذا البلد ليس دولة نامية، فحسب، بل "أمّة ضاربة في أعماق أعماق التاريخ"
على الجانب الآخر، تحمل الزيارة طابعا دفاعيا؛ فقد جاءت في وقت تعرضت فيه الجزائر لانتقادات غربية "غريبة" بشأن وضع الحريات الدينية، وتحديدا ما يتعلق بإغلاق الكنائس غير المرخصة ومنع التبشير، فها هي زيارة البابا، التي تعد بمثابة "تبرئة" ضمنية من أعلى سلطة دينية مسيحية. ففي الوقت الذي تصر فيه واشنطن على تصنيف الجزائر ضمن قائمة "المراقبة الخاصة"، يضع البابا قدمه على أرض الجزائر ليقول بأن الحوار ممكن، وبأن العلاقة مع الدولة الجزائرية قائمة على الاحترام. هذا التناقض بين الموقف الغربي "المتصلب" والموقف الفاتيكاني "العملي" يكشف عن ازدواجية المعايير واستخدام ملف "الأقليات" كورقة ضغط سياسي.
ما يجب الوقوف عنده، هو أن المسألة ليست اضطهاد المسيحيين، بل خط تماس بين مفهوم الدولة للأمن القومي (الذي يخشى من التمويل الخارجي المشبوه للنشاط الديني)، وبين مفهوم المنظمات الدولية للحريات الفردية. والبابا، وهو القادم من رهبانية أوغسطينية تعرف تعقيدات المنطقة، المؤكد أن يكون أكثر تفهما لهذه الحساسيات، ما يجعل زيارته فرصة لإعادة ضبط هذا الملف الدقيق بعيدا عن الضجيج الإعلامي.
تحت شعار "السلام عليكم"، الذي صممه الفاتيكان خصيصا لهذه الزيارة، تأكيد صفحة الجزائر الناصعة، قوامها التعايش والحوار، وجزائر الأحرار والثوار، وهي تستضيف البابا ليو الرابع عشر، تؤكد أنها "دولة قوية وواثقة، لا تخشى الآخر"، والفاتيكان يرسل باباه إلى بلد مسلم ليقول بأـن مستقبل المتوسط يقوم على التعاون وليس الاصطدام.
قد لا تسفر الزيارة عن "معجزات دبلوماسية فورية"، لكنها، دون أدنى شك، ستغير نظرة العالم للجزائر، وستؤكد للجزائريين ثقتهم في تعددية تاريخهم.. فسجّل يا تاريخ هذا التاريخ للأجيال القادمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق